‏إظهار الرسائل ذات التسميات روايات. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات روايات. إظهار كافة الرسائل

على بعد مليمتر واحد فقط 26

0

قطرات من شتاء شهر مارس تغسل شوارع بروكسيل بحنان لكن بإصرار.
خالد يوقف سيارته غير بعيد عن مقهى لوفونطينا ويترجل. حال دخوله المقهى،
طلب من نادل المقهى أن يضع التلفاز على قناة طيلي بروكسيل المحلية فأومأ
هذا الأخير برأسه بأدب واستجاب.
ّ بمجرد ما أكدت له الزهرة أمس أن زهرليزا موجودة فعلا في قبو الفيلا نفذ
خطته بحذافيرها فأرسل رسالتين من بريد مجهول من مقهى إنترنت إلى كل
من الشرطة البلجيكية وإدارة المتحف الأمريكي.. وإمعانا في الحرص، اتصل أيضا
من أحد الهواتف العمومية بالجهتين معا مانحا إياهما ذات المعلومات بسرعة
ودون أن يمنحهما فرصة سؤاله.
الإضافة الأخيرة التي نفذها والتي خطرت بباله مؤخرا فقط، هي إبلاغ عدد لا
بأس به من وسائل الإعلام المحلية وعلى رأسها قناة طيلي بروكسيل.. الصحافة
تصنع من اللاشيء خبرا كما تعلـــّـــم، فكيف لو كان هناك خبر فعلا، ومن
ّ النوع المتفجر؟!
لو كان الأمن البلجيكي قد قام بواجبه فغالبا سيكونون قد حجزوا اللوحة، في
انتظار أن يؤكد لهم مسؤولو المتحف الأمريكي بطنجة أصالتها أو زورها وهو ما
سيكون قد تم فعلا لأنه حدد بالضبط في رسالته أين يتجلى تزوير اللوحة وأشار
إلى ذلك الانحراف في العين والذي يزيد مليمترا واحدا عن اللوحة الأصلية.
تدخل الزهرة وهي تحتمي من المطر بمظلة وردية صغيرة. يرحب بها بابتسامة
خرجت من أعماقه، قبل أن تفلت منه ضحكة عفوية..
- ما يضحكك؟!
ِ - شكل جسمك النحيل مع المظلة الصغيرة.. بدوت لي كواحدة من بطلات
مسلسلات الكرتون البريئات..
- لعلي ذكرتك بـ «بائعة الكبريت» ؟
ّ - لا.. لا.. إلا هذه.. فيلم معد خصيصا للأطفال تتعذب صاحبته طوال الوقت
ّ ثم تموت؟ والله لا أدري أي سادي قام بكتابته.. كرهته في طفولتي ولازلت..

على بعد مليمتر واحد فقط 27

0

- توقف..
يصرخ الشخص الذي يراقب الطريق في الآخر ثم يقترب.
- لا تنس يا أخي أنه يريدها أن تبدو كسرقة.. ليس سرقة السيارة فقط.. بل
حتى ما يملك هذان.. و لا أريد أن آخذ ممتلكات ملوثة بالدم..
- حسنا.. أسرع وفتشهما..
يدخل الرجل يده في جيوب خالد فلا يخرج سوى ببضع قطع نقدية. يرميها
في إهمال وغضب.. يدخل يده في سترته فيجد ورقة، فيفردها في حنق متزايد..
ّ يهم برميها قبل أن يتراجع في آخر لحظة.. ينظر إليها. يناولها لصاحب المسدس
متسائلا:
- أليس هذا هو خبر الحادثة؟
- آه..نعم .. إنه هو .. غريب جدا... أنت.. ماذا تفعل بهذه القصاصة الخبرية في
جيبك.. أجب.
ّ يصمت خالد دون أن يجيب. ماذا ستفيده الإجابة؟ هو ميت في كل الأحوال..
فليحتفظ لنفسه بواحدة من آخر حقوقه.. الصمت.
يشعر بارتجافة جسد الزهرة وكأنها تحرك الأرض تحت قدميه فيزيده هذا ألما
على ألم وخوفا على خوف..
- هيا أجب بسرعة..
- وماذا تفيدك إجابتي؟!
- قلت لك أجب بسرعة..
- لقد كنت أنا من أنقذ ذلك الوليد..
- أنت أنقذت هذا الرضيع؟
- نعم..
- أجبني بصدق وإلا فجرت رأسك.. أنت أنقذت هذا الرضيع؟!!
- قلت لك: أنا.. أنقذت... ذلك .. الرضيع.. لا أحتاج كذبا في آخر لحظات حياتي
على ما يبدو...
134

على بعد مليمتر واحد فقط 24

0

يذهب خالد صباحا لتنظيف ذات المطبخ الذي يعمل فيه صديقه معاذ. «بيتر»
صاحب المطعم سعيد لأن خالد لا يكلفه الشيء الكثير، فهو يشتغل في
«النوار» كما يسمونه.. أي السوق السوداء. حيث لا ضرائب ولا تغطية صحية
للعامل.
كارلا البلغارية ثرثارة جدا ولا تكف عن الحديث عن زوجها الوغد الذي هجرها
يوما دون أن يخبرها بوجهته. الرجال أنذال. تقول هذا وهي تدخن سيجارتها
بأصابع مرتجفة.
ّ خالد يؤمن على كل ما تقول.. من ذا يستطيع معارضة كارلا؟!
من يفعل ذلك عليه أن يضع كل عدة العمل جانبا ويستمع لفحيح كارلا إذ
تشنف مسامعه بحكايتها من أول يوم تعرفت فيه على زوجها.
عندما ينهي خالد عمله يعود إلى البيت سيرا على الأقدام. رحلة تستغرق
نصف ساعة يستمتع فيها خالد بالتأمل والتفكير في كل ما مضى والتخطيط
لما هو آت. صدق نيتشه عندما قال إن الأفكار العظيمة تولد أثناء المشي.
من حين لآخر يطل طيف هدى عليه من سيارة أو نافذة أو محل تجاري.. يستغرب،
ّ أمام كل هذه الصدف، أنه لازال لم يقابل هدى في مكان ما لحد الآن. صحيح أنها
ّ تقيم في مدينة أنتويرب لكنه تعلم، ثم تعود، أن العالم صغير كراحة يد.
ّ يأخذ سيارة معاذ ويمر ّ على الزهرة في مكان غير بعيد عن مكان إقامتها، لكنه
ٍ منزو ُ . لازال الفضوليون يملأون العالم، ولو رأوهما معا لولدت ألف حكاية وحكاية
عن علاقتهما.
ّ خطته الصـبورة المتأنية نجحت في استدراج الزهرة لتواصل مباشر بعد أن
استنفذا كل الكلام الأزرق. الملل هو عدو العلاقات الافتراضية الأول.. وعند مرور
ُ فترة لا بأس بها يصبح الكلام مكررا ومملا وتــــــفتقد الإثارة تدريجيا، وهنا
ّ يظهر الخياران: إما اللقاء المباشر، أو زر «إمسح.»
طنجة أسدت له معروفا كبيرا لأنها كانت السبب الكبير الذي جعل الزهرة
توافق على لقائه كي تنهل أكثر من معلوماته حولها.. هذا ما صرحت به على
الأقل.

على بعد مليمتر واحد فقط 25

0

طق طق... طق طق...
ُ صوت ّ الملعقة إذ تصطدم بجانبي كأس الشاي الأسود الذي كفــــت الزهرة
ّ عن ارتشافه. تحرك الزهرة الملعقة ببطء وتفكــ ّ ـــر برأس منكـــــس. خالد
ّ يبتلع ريقه توج ّ سا وتعبا بعد أن أنهى الحكاية كلها بجل تفاصيلها.. وأجاب عن
ّ كل أسئلة الزهرة التي قاطعته مئة مرة أو تزيد..
- وماذا تقترح أن نفعل الآن؟
راقه بشدة أنها استعملت صيغة الجمع. هي إذن ترى نفسها، منذ أنهى
حكايته، طرفا في الموضوع. أيضا، هي لم تسأله إن كان سبب مسارعته إلى
ُ معرفتها ولقائها هو فقط زهرليزا، وبالتالي اعتباره ّ إياها مجرد قنطرة لتحقيق
هدف.. إما أنها تغافلت أو احتفظت بهذا السؤال لمكان وزمان آخرين..
في الواقع، كان خالد قد احتاط لأسوء الاحتمالات وأعد خطة ثانية في حالة
فشلت الأولى، أو قررت الزهرة أن تكون من طينة هدى وتقلب عليه الطاولة.
ما لديه من الأدلة لا يستهان به: الرسائل الإلكترونية بين برنار وهدى، الرسائل
الهاتفية بين هدى وفرد العصابة، اللوحة المزيفة الموجودة في المتحف الأمريكي
والتي بمجرد ما سيثير الشك حولها سيتم التأكد من حقيقتها...
كل هذا كان سيرسله معاذ، في حال تعرض هو لأي أذى، من بريد مجهول لإدارة
المتحف الأمريكي بطنجة وللشرطة البلجيكية ثم ينتظر النتائج التي تبدو له
واضحة من الآن..
ما يريده فعلا من الزهرة هو أن يتأكد أين يضع الدكتور برنار اللوحة كي تكون
رسالته أكثر دقة. يريد أن يمحو الشك تماما من ذهن الشرطة البلجيكية التي
ّ ستأتي لتفتيش مكان محدد مسبقا، وليس تفتيش الفيلا كلها والتي قد لا
يجدون فيها شيئا إن كان يضع اللوحة في مكان سري جدا..
- أقترح أن تحاولي معرفة مكان زهرليزا باستعمال كل الحيطة والحذر طبعا..
وبعد أن تتأكدي، ستتبقى أمامي حركة واحدة أقوم بها كي يبدأ الاحتفال

على بعد مليمتر واحد فقط 23

0

المركز التجاري الصغير الموجود بحي «مولانبيك» شبه خال في تلك الساعة
من الظهيرة. خالد يقتني بضع حاجيات صغيرة يضعها في سلة بلاستيكية
ّ ثم يتجه نحو المحصلة كي يؤدي الثمن.. يرفع رأسه نحوها فتلتقي العينان...
- أنت الزهرة؟
- أنت خالد؟
- أهلا.. أهلا.. صدفة جميلة..
لا، ليست صدفة بالطبع. خالد يعلم أن الزهرة تشتغل هنا بشكل غير
منتظم. تنوب من حين لآخر عن فتاة أخرى. وهو كان يتربص بها كي يفتعل هذا
اللقاء.
كان سيحبط تماما عندما لم يجد في بريد هدى الإلكتروني أي معلومات ذات
قيمة كبيرة. أو هذا ما اعتقد في بادئ الأمر. الرسائل المحدودة ذات الأهمية كانت
قد تبادلتها مع شخص واحد اسمه د. برنار جنسنز، وكان واضحا جدا أنه العقل
المدبر للعملية. آخر رسالة أرسلها لها كان يقول فيها:
- البضاعة وصلت، كل شيء انتهى بسلام.
تاريخ الرسالة يزامن وصول الموناليزا للمتحف الأمريكي وتعليقها في مكانها
ّ ثم الزج به في السجن في انتظار المحاكمة.
إذن، في الغالب هدى لم تتعامل مع العصابة بشكل مباشر إلا من خلال بعض
الرسائل القصيرة الهاتفية التي كان قد اطلع عليها.
ٌ محظوظ هو لأن معاذ كان يعتبر مثل هذه التحديات تسلية ما بعدها تسلية.
هكذا، قام بالبحث في الصفحات الصفراء عن إسم الدكتور برنار جنسنز.. ولم
ّ يكن هناك عدد كبير من «البرنارات» الذين يدرسون التاريخ بإحدى جامعات

على بعد مليمتر واحد فقط 22

0

سارتر يقول إن الجحيم هو الآخرون..
الفيسبوك يقول إن النعيم هو الآخرون.. حتى لو كان هؤلاء الآخرون مجرد
كائنات افتراضية مجهولة قد لا تهتم إطلاقا إن سمعت خبر مرضك أو
رحيلك.
هي واحدة من أمتع اللحظات لدى «الزهرة،» عندما تنتهي من دراستها أو
عملها، ثم تجالس تلك الكائنات الافتراضية في العالم الأزرق ليلا..
بروكسيل ليست المدينة الحلم.. والسماء فيها لا تمطر ذهبا ولا فضة. هذا
ما اكتشفته الزهرة، ذات الثمانية عشر ربيعا، بعد أن كانت قد سمعت ورأت
ّ الكثير من أصدقاء وأقارب لا يكفون عن التأفف كلما عادوا إلى أرض الوطن،
وهم يعقدون المقارنة تلو المقارنة بين بلجيكا «الرائعة» والمغرب «الرديء..» لكنها
ّ وجدت أن الحقيقة تختلف، وأنه في كل ٍ ٌ خير ّ وشر..
للغربة مساوئها وللوطن زلاته..
حصلت على شهادة البكالوريا بعد جهد جهيد، وجاءت هاهنا تجاور صديقتها
وابنة خالتها في دراسة مادة التاريخ..
أربعة أيام من الدراسة وثلاثة أيام من العمل كي تستطيع أن تؤمن تكاليف
الدراسة ولقمة العيش. خالتها تبذل مجهودا كبيرا كي تشعرها أنها لم تغادر
ّ منزل أمها بعد، لكنها لا تحتمل أن تكون عبئا على أحد.. خصوصا بعد أن رأت
ّ كيف أن كل شيء محسوب بدقــــة هنا. المصاريف كثيرة جدا وما يفيض عن
الحاجة تأتي الدولة لتتسلمه على شكل ضرائب وهي تفرك يديها مستمتعة..
تدخل غرفتها وتندس في الفراش الدافئ واضعة جهازها المحمول فوق حجرها.
ّ تعلـــــق أحيانا. تجامل.

على بعد مليمتر واحد فقط 21

0

يقيم الدكتور «برنار جانسنز» في بلدة واترلو البلجيكية. يمتلك فيلا صغيرة
أنيقة. وهو رغم وحدته يبدو سعيدا، راضيا عن حياته في نظر الجميع.. في نظر
ّ جيرانه.. في نظر بقية باقية من أقربائه.. وفي نظر طلبته في الكلية حيث يدرس
مادة التاريخ..
الحقيقة أن «برنار» لم يكن كذلك منذ شهور خلت، بل كان قلقا مضطرب
ٍ
ّ النفس شارد الفكر على الدوام. كان هناك ما يشغله بقوة، لكنه، مثل قليل
من خلق الله، كان من النوع القادر على إخفاء مشاعره خلف قناع من الوقار
والهدوء يجعل مهمة استكشاف ما يدور بخلده من رابع المستحيلات.
«برنار» هو «برنار..» سواء فاز فريق «إف سي بروكسيل» الذي يشجعه أو انهزم..
سواء ترقى في عمله أو تجاوزه قطار الترقيات..سواء سمع بوفاة قريب أو ولادة
آخر.
ّ الحقيقة أن برنار مثال حي للقاتل المتسلسل الذي لا يشك فيه أحد، والذي
يقول الجميع بعد أن يسمع حقيقة ما فعله يوما: « مستحيل أن يفعل برنار
ّ الطيب ذلك..»
لكن برنار لم يكن قاتلا متسلسلا.. بل لم يكن مجرما يوما.. فقط كانت هناك
مشكلة واحدة تؤرقه وتشغل باله على الدوام: لوحة الموناليزا..
كان فقط يتمنى أن يمتلكها، أن يجلس أمامها في غرفة التحف في فيلته
ّ منتظرا أن تبوح له بكل أسرارها.. وقتها، فقط، يكف عن القلق والتفكير ويعتبر
نفسه امبراطور هذا العالم..
لقد ظلت هذه اللوحة تشغله منذ بدأ يهتم باللوحات الفنية الأثرية منذ
ُ عقود. امتلك الكثير من اللوحات.. بعضها ثمين.. وبعضها أوهمه نصابون أنها
كذلك..وبعضها اشتراها بثمن بخس فاتضح أنها ذات قيمة تاريخية لا بأس
بها..

على بعد مليمتر واحد فقط 19

0

لم يكن هناك سوى الألم وطعم الماء المالح..
ملوحة لاذعة وجفاف في الفم حتى أنه بالكاد كان يبتلع ريقه..
أين أنا؟ يتساءل خالد. كل هذا العطش لن يطفئه سوى كأس كبير من الماء
قبل أن أعود إلى النوم..
يفتح عينيه. يبدأ في استعادة وعيه وإدراكه لذاته والموجودات. الليل سيد
ّ الموقف والص ُ بح لازال لم يحاول بعد ّ أن يتنفـــــــس.
لن تكون هناك عودة إلى النوم لأنك يا خالد لم تكن في كابوس. بل هي الحقيقة
ّ الفج َ ة المؤلمة الممتزجة ببعض الفرح.. لقد استطعت النجاة من الغرق على ما
يبدو!
ّ يعتدل خالد في جلسته.. كل جزء من جسده يئن ويصرخ من الألم والتعب.
ُ يدير عينيه في الشاطئ محاولا اختراق ح ُُ جب الظلام فلا يبدو له طير يطير أو
ّ حيوان يدب.
- أغرق الجميع يا ترى؟! أتراني الناجي الوحيد؟
ومن ذا يستطيع الإجابة؟ لا أحد. المطر يواصل هطوله بإلحاح وحماس. ثقل
ُ رهيب يضغط على كتفيه. يتحسسهما فيكتشف أنه فقط ثقل حقيبته
البلاستيكية التي يبدو أنه لم يفقدها. لازالت تتشبث بكتفه كرضيع غوريلا.
المال أيضا لازال في مكانه.
لم يضع منه شيء رغم كل تلك الفوضى.. سيتأكد فيما بعد إن كانت
المحتويات على ما يرام، أما الآن فأول ما ينبغي أن يفعله هو مغادرة الشاطئ
بسرعة قبل أن يكتشف الحرس المدني الإسباني الأمر وتبدأ عملية البحث عن
ّ الناجين.. وما أقلهم.
ٌ هل هذا جسد ّ مسجى أم أنه فقط يتخيل؟
يدقق النظر أكثر وهو يقترب ليجد نفسه أمام تلك المهاجرة الإفريقية الحامل
التي أنقذها من الغرق. يقترب أكثر.

على بعد مليمتر واحد فقط 20

0

- لقد نجا يا معاذ.. لقد نجا!
يأتي معاذ قادما من المطبخ وهو يمسح يديه في قميص ممزق لفه كيفما اتفق
ً حول خصره اتقاء لمياه غير مرغوب فيها..
- كيف عرفت ذلك..؟!!
- أحد المواقع الإخبارية الخاصة بمدينة كاديس نشر خبرا مفصلا عن الموضوع..
- هل لك أن تلخص لي المكتوب هناك فعلاقتي مع اللغة الإسبانية لم تكن
ّ يوما علاقة مودة..
ّ - ولا أنا.. لكن الشيخ العارف جوجل قام بمهمة الترجمة عني..
- اللهم بارك لنا في شيخنا.. الخلاصة؟
- يقولون أن كاميرات المستشفى رصدت مجهولا قام بوضع رضيع قرب باب
ّ المستشفى قبل أن يكسر بابه الزجاجي ويفر.. الرضيع كان في حالة اختناق
ُ بسبب قطعة حلوى ذابت وتسربت من منديل صــنع على شكل مصاصة..
ثوان فقط كانت تفصله عن الموت لكنهم استطاعوا إنقاذه أخيرا..
ْ - لقد أحييت الناس جميعا..
ّ - بل أنت من فعل ذلك مرتين.. رحلة ذهاب وإياب مدتها ثلاثة أيام تقريبا بين
ّ بروكسيل وكاديس والعكس فقط لإحضار صديق «حراك» لا تدري إن كان
ّ سينجو أم لا.. ثم التور ّ ط في قضية هذا الرضيع معي.. والتي كان يمكن أن
تخسر معها كل شيء فعلا لو تم ضبطنا..
- لم تقل لي بالمناسبة، هل تعرفوا على ملامحك أو أشاروا إلى ذلك؟
ّ - لا زلت تكره المديح كما عهدتك.. طيب، محاولة إخفاء وجهي وكفـي كانت
ناجحة على ما يبدو.. هم يشكون أن من فعل ذلك هو والده أو أحد أقاربه على
الأقل.. طبعا لم يجدوا صعوبة في الربط بين الموضوع وبين الإفريقية التي
وجدوها ميتة في شاطئ لا بولونيا.. تقرير الطبيب الشرعي يفيد فعلا أنها
توفيت فعلا قبل ولادة الجنين!! اللهم لك الحمد..
- الحمد لله.. والله قصة غريبة جدا يا خالد.. لو حكيتها لأحد لاتهمك بالخرَف
ّ أو الجنون.. ولولا أنني عشت جزءا منها معك لكان لك نصيب من شكـــي
أيضا..
106

على بعد مليمتر واحد فقط 17

0

ما أصعب الاستيقاظ باكرا في طنجة.. كل من زار المدينة يعرف ذلك. لطنجة
مناخها وأجواؤها التي تجعلك ترغب في البقاء في الفراش لمدة أطول.. يقولون أن
الطنجاويين كسالى. الحقيقة أنهم فقط أبناء محيطهم ولا يد لهم في ذلك..
ليل طنجة الرائع يجعلك تسهر حتى وقت متأخر من الليل..
ّ صباحها الناعس الذي يتمطــى بكسل يجعلك تؤخر استيقاظك لساعة أو
ساعتين..
هي مدينة مدللة أبت إلا أن تدلل أهلها فما استطاعوا أن يمتنعوا عن ذلك وما
استطاعوا لها رفضا..
ّ ينتزع خالد نفسه من فراشه انتزاعا. أي موعد هذا الذي يكون في الثامنة
صباحا؟! يغسل وجهه بالماء البارد آملا في بعض النشاط.. قطته التي تخلصت
من عرَجها تنتظر وجبة صباح مبكرة مفاجئة.. يضع لها خالد بعض الحليب
البارد. يلبس ثيابه على عجل ويغادر.
ّ مقهى «السعيدي» ليس فارغا كما توقع. هناك بضع عمال عابرين وبضع
زبائن ذاهلين يشاهدون فيلما هنديا يقضي فيه البطل على أمة كاملة دون
حاجة لأي تعب.. يفعل ذلك وكأنه في نزهة حقيقية.
في السابق، لو كان دخل هذا المقهى لالتفتت إليه جل العيون باعتباره
ّ «رجلا أبيضا رقيقا» تجرأ على دخول مكان خشن لا يناسبه.. ولاستنكروا ذلك
استنكارا..
ُ أما الآن، فيبدو أن السجن قد ترك عليه أثرا ما لا يمحى.. سيماه على وجهه..
الساعة تشير إلى الثامنة. لأول مرة ينتبه أنه لا يعرف الشخص الذي اتصل
به.. لا إسما ولا صفة ً ٌ .. لكن، مؤكد أن الآخر قادر على تعرفه كوجه جديد في
المقهى..
- السلام عليكم..
ّ أخيرا هل البدر. بدون مقدمات سحب كرسيا وجلس بقرب خالد مناديا على
كأس قهوة بالحليب.

على بعد مليمتر واحد فقط 18

0

ُ ظلام حالك مقــبض كحفرة قبر.. لاشيء يُرى ولا شيء يُسمع..
صوت محرك القارب وصوت تنفس «الحاركين..» وصوت أمواج ٍ بدأت تعلو تنزل
بالقارب شيئا فشيئا، إذ يوغل في عمق مياه المتوسط..
أضواء طنجة اختفت أو كادت. أضواء شاطئ طريفة الإسبانية، التي كانت
تبدو على مرمى قارب، غارت من أختها فاختفت عن الأنظار هي الأخرى.
ّ غيوم سود كثيفة غطــــت نور القمر فاكتمل المشهد المأساوي بكل
تفاصيله..
هي المياه فقط تحيط القارب وأهله ذات اليمين وذات الشمال..
من حين لآخر يحاول أحد المهاجرين أن يضيء العتمة بهاتفه المحمول فينهره
ّ السي ميمون بصوت كالفحيح أن أطفأ هاتفك وإلا رميتك وإياه من القارب. لا
مجال للمزاح والتساهل هنا. إن كنتم تريدون الوصول بأمان فالتزموا التعليمات
ّ بدقة. هكذا يقول السي ميمون ثم يتأفف ويواصل القيادة بوجه قد من صخر.
ّ أسنان أغلب الموجودين تصطك إذ يبدأ البحر في فرض سطوته الباردة على
ُ المكان والزمان. الكلمة كلمته.. الملعب ملعبه.. وهم كأيتام في مأدبة لئام.
ّ يتذكر خالد أن أمه كانت دائما تحذره كلما ذهب للاستجمام في شاطئ
طنجة:
« ثلاثة لا تمزح معهم أبدا: النار والمخزن (السلطة..) والبحر..»
الأولى والثانية لم يكن يهتم باللهو معهما في الحقيقة... لكنه كان يمزح
ّ كثيرا مع بحر طنجة.. كثيرا جد ّ ا. كان يبتعد عن الشاطئ كثيرا متحديا أقرانه :

على بعد مليمتر واحد فقط 15

0

أخيرا فرغت الشقة من الزوار والمتعاطفين والصحافيين والأصدقاء وأصبح
خالد وحيدا..
كانت قد امتلأت عن آخرها بالمهنئين الممتزجين بعدد لا بأس به من الفضوليين،
حتى إن خالدا كان إذا أخرج يده لم يكد يراها. شقته التي بالكاد تسعه لوحده
كانت محفلا حقيقيا قبل قليل..
ضجيج من كل نوع حتى اختلط لدى خالد الواقع بالحلم..
في طفولته، عندما كان يكثر اللغط، خصوصا في حفلات الأعراس التي كان
ّ يرافق لها أمه، كان ينتابه هذا الشعور بأنه يحلم ويفقد تركيزه وشعوره بشكل
شبه تام.. حتى إنه كان يحرك رأسه بقوة أكثر من مرة كي لا يغيب نهائيا عن
الوعي..
ذات الشعور استعاده اليوم. فقط هذه المرة كانت الفرحة أقوى من أي شعور
آخر فحافظ على تركيزه حتى انصرف آخر شخص..
وآخر شخص كان هو العجوز « رحمة» التي لم تنس أن تترك له صحن «الحلوى
د كيكس» فوق المائدة..
ْ - هاك يا ولدي.. كل ّ وانس هم وتعب السجن..
- دائما في الموعد يا «عزيزة..»
الحبس سنة كاملة مع وقف التنفيذ..
ّ يتذكر لحظة نطق القاضي بالحكم فتتسارع نبضات قلبه مرة أخرى.. لقد
ْ كان يراقب شفتي القاضي وكأنه يتحدث بالعرض البطيء.. عندما سمع
كلمة «الحبس» اعتصر قضبان القفص بقوة وهو يتوقع الأسوأ، قبل أن يسمع
جملة»موقوفة التنفيذ» ويرى على وجه المحامي أمارات الارتياح مع إشارة
النصر، ثم علا الصخب والضجيج حتى إن القاضي اضطر إلى التهديد بإخلاء
المحكمة..
قال له المحامي انه مع ذلك سيستأنف.. وقف التنفيذ يعني أنه إذا ارتكب جرما
ما في السنوات القادمة فقد يضطر إلى تنفيذ العقوبة القديمة مضافة إلى
العقوبة الجديدة..
84
لو قيل له هذا في وقت سابق لاعتبره مجرد كلام زائد لا قيمة له باعتبار
أنه من المستحيل ارتكابه لجريمة.. ولاطمأن قلبه إلى الحكم واعتبره بمثابة براءة
كاملة..
لكن الآن، وبعد الضيم الذي لحقه.. لا يستطيع أن يعد أحدا بشيء.. حتى
نفسه..
هناك أمور لابد أن يفهمها وأن يسويها مع أصحابها.. أثناء ذلك، هو ليس
ضامنا لما قد يقع..
لا تطلب من شخص يدافع عن نفسه أمام قطاع طرق أن يحرص على ألا
ـــقا..
ِ

على بعد مليمتر واحد فقط 16

0

ّ يجلس خالد في شقته مواصلا التفكير.. أتراه على حق ّ فيما خمن؟
في ذهنه تترابط الأحداث وتتصل الحلقات المفقودة ببعضها البعض.. إن كان
ّ ما ذهب إليه صحيحا فلا بد أن يبدأ بتنفيذ خطته هو في أسرع وقت.. لا بد أن
يصل إلى الحقيقة..
ٌ الجهل عذاب حقيقي..
الغموض وسيلة تعذيب لا يعرفها إلا من خبــِـــرها.. وهو خبــِرها مع هــدى
في أكثر من مناسبة، وكأنها ما ظهرت في حياته إلا من أجل هذا..
صوت طرقات على الباب.. يدخل المهدي ومنير والأول يتساءل:
- ماذا هناك يا خالد.. أقلقتني فعلا.. لقد حمدنا الله أن هذا الموضوع انتهى
بشق الأنفس.. ففيم تنبش مجددا؟
ّ - أنا لا أفعل.. الحقائق تصر ّ على أن تظهر لي نفسها بدون إرادة مني..
ّ - كيف؟ ما قضية تلك الصورة التي حدثتني عنها في الهاتف؟
- تعاليا.. سأريكما شيئا..
يفرد خالد صورتي زهرليزا اللتين بحوزته.. يضع الصورة الأولى التي اشتراها
من البائع المتجول..
- أتريان هذا الانحراف في في سواد العين اليمنى لزهرليزا؟
- هه.. ربما.. أعتقد..
- لا يجب أن تعتقد.. ركز النظر جيدا وستلاحظه..
- الحقيقة أنه واضح.. نعم، بؤبؤ العين اليمنى يتجه نحو الخارج بانحراف
بسيط..
يضع خالد الصورة الشفافة فوق الصورة الأولى بدقة ويتراجع مفسحا المجال
للمهدي ومنير كي ينظرا..
- الآن.. أنظرا إلى ذات العين.. ما رأيكما؟
يقترب المهدي ويدقق. منير يفعل نفس الشيء. يعيدان العملية. حائرين وغير
راغبين في التصديق..

على بعد مليمتر واحد فقط 13

0

يضع خالد قطعة بسكويت في فمه ويمضغها بتثاقل وهو يحادث المهدي. يبدو
المكان كسوق كبيرة ملآى لغطا وصياحا. الزوار والمساجين يجلسون متجاورين
ّ وكل يغني على ليلاه..
- لم أرغب في الحصول على البراءة مثلما أنا راغب في ذلك الآن..
ٌ - الحقيقة أن هذا لم يخطر ببالي أنا أيضا.. صحيح أنني لم أغفل الموضوع،
ْ لكنني أبي ّ ت الحديث معك حوله عالما أنك تدرك جيدا ما تفعل..
ّ - لازالت الحياة تحتفظ لنا بالكثير.. في كل مرة تعتقد أنك ازددت حكمة
ّ تكشف لك أي ّ أحمق متكبر كنتــَ ُ ه.
- ما لا أستطيع فهمه هو ما دامت هدى خططت لهذا كله، فكيف فشلت
في إتمام خطتها الرئيسية وهي الحصول على اللوحة؟ هل هذا يعني أن دخولك
السجن كان هو الهدف؟! منطقيا هذا شبه مستحيل، لأن من يستطيع
التخطيط لكل هذا، لن يصعب عليه إطلاقا إيجاد خطة أبسط بكثير من
أجل إدخالك السجن..
- ها أنت ترى... رأسي يكاد ينفجر من كثرة التفكير في الأمر.. الرسائل
تبين بوضوح أنها وأحد الأشخاص الأجانب كانا يخططان لتهريب اللوحة
عن طريقي.. مثلا، تحدثت له عن أنها وجدت الهدية «اللائقة» بي.. كان هو
ّ يحثها على التأكد من حجم الحقيبة كي تناسب «القميص..» فهمت جيدا
أن «القميص» يقصدون به لوحة الموناليزا المغربية من خلال مراجعة كل
الرسائل.. لقد فهمت البداية لكنني عاجز عن فهم النهاية..
- ماذا تنوي أن تفعل الآن؟
- كما ترى، العين بصيرة واليد قصيرة جدا.. لكنني لو حصلت على البراءة
فأعدك أنني سأكون أنا من يقرر النهاية وليسوا هم.
ّ - أرجو ذلك فعلا.. زرت محاميك مؤخرا أنا أيضا.. يبدو شابا ذكيا جدا ولمّاحا..
يمسك جيدا خيوط القضية في يده.. بالمناسبة، لا تفكر في التبليغ عن هذه
الرسائل التي وجدت؟

على بعد مليمتر واحد فقط 14

0

هناك ألقاب وألقاب..
هناك ألقاب جميلة، وهناك ألقاب قبيحة..
وهناك ألقاب لا تجدها إلا في مدينة طنجة..
ّ عيناك ضيقتان قليلا؟ إذن فأنت «التشينو..»
شعرك أشقر بعض الشيء؟ إذن فأنت هو «الروبيو..»
أما إن كانت بشرتك سمراء فمرحبا بك يا «إفريقيا...» والله المستعان على ما
تصفون..
الحقيقة أن خالد لم يستغرب خالد كثيرا عندما سمع ب«الطمأنينة» لأول
ْ مرة.. و«الطمأنينة» هو لقب زعيم مجموعة في السجن ذات قوة وهيبة.. ليست
ّ منافسة مباشرة لمجموعة «المسموم» في الحقيقة، لكنها في ذات قوتها رغم
ّ غياب أي احتكاك بينهما.. يبدو أنه لحد الآن لم تتضارب مصالحهما بعد، كما
يبدو أن الاثنان معا يتجنبان ذلك.. لديهما من المشاكل والمشاغل ما يكفي..
«الطمأنينة..» ما أروع أن يناديك الناس ب«الطمأنينة..»
كان خالد يعلم أن هذا اللقب هو نتيجة غلطة فادحة غالبا.. غلطة في أقسام
الدراسة الابتدائية حيث يسألك الأستاذ مثلا عن معنى الطمأنينة فتجيب:
- إنها الشجاعة يا أستاذ..
فتفلت ضحكة خافتة من الأستاذ، ثم ينفجر القسم ضاحكا وكأنهم جميعا
كانوا يعرفون معناها. هذا قبل أن يكشر الأستاذ في وجوه الجميع مجددا ثم
يتسلى بصفعك على مؤخرة رأسك.
ّ هكذا.. خطأ صغير جدا قد ترافقك تبعاته إلى قبرك..
الحقيقة أن المسألة ليست بذلك السوء في كل الأحوال.. لم نسمع بعد عن
شخص انتحر لأن لقبه «الطمأنينة..»
طبعا لم يكن بين «الطمأنينة» ولقبه إلا الخير والإحسان، فالرجل من مرتادي
السجن بتهم عديدة يتعلق أغلبها بالنهب والسطو على الممتلكات والمتاجرة
في المخدرات..
78

على بعد مليمتر واحد فقط 11

0

عزيزي معاذ،
ّ أرسل لك رسالة ثانية قبل أن يصلني رد على الأولى لأنني أعلم أنه قد لا
يصل. الحقيقة أنني كنت محظوظا عندما وصلتني أولى رسائلك. دائما كنت
أعتبر وصول الرسائل معجزة إلهية، وكان لدي ذلك الوسواس المستمر: ماذا لو
سقطت من ساعي البريد؟ ماذا لو تاهت بين آلاف الرسائل في الطائرة؟ ماذا
لو قرر موظف في البريد – لسبب ما – أن يمسح بها الشاي الذي سكبه على
ملابسه؟
كنت غالبا ما أصل إلى هذه النتيجة: عدم وصول رسالة هو شيء عادي..
الغريب حقا هو أن تصلك.
كان هذا في الزمن الجميل، أما الآن فأعتقد أن وصول رسالة هو حدث يستحق
الاحتفال به.. فما بالك لو كان من سيستقبل الرسالة سجينا في مثل وضعي؟
سأكون متفائلا جدا لو قلت لك أنني أتوقع أن تصلني ردودك أو حتى أن تصلك
رسالتي هذه..
دعني، إذن، أمارس نرجسيتي بالكتابة لنفسي، ثم إرسال الرسالة إليك مقنعا
نفسي أنني لست متضخم الأنا كما قد يبدو!
ّ مضى الآن أسبوعان علي بالسجن. في الأول كنت مرتاحا نوعا ما رغم كل
الأحداث المتسارعة المهولة التي مررت بها.. فقد عدت لطنجتي وهاهي تغمرني
ّ بدفئها رغم أنني أتواجد في أسوأ أحضانها طرا.
كنت محتاجا إلى الهدوء الذي يلي العاصفة.
أيضا، كنت محتاجا للجلوس لوحدي للحظات كي أرتب أفكاري و «أستمع
إلى صوت عظامي» كما يقول أجدادنا.
هناك أمر آخر قد يبدو لك غريبا وهو أنني كنت سعيدا بعودة لوحة زهرليزا
إلى مكانها الطبيعي بالمتحف الأمريكي. لقد كانت سرقة اللوحة جرحا بليغا
في جسد طنجة وبالتالي في جسدي.. طنجة عانت من الظلم كثيرا جدا، ولم
أكن لأريد لها المزيد.
65

على بعد مليمتر واحد فقط 12

0

- سمير.. ماذا بك؟!
ّ - لا شيء.. لاشيء.. فقط لا أستطيع من النوم من شدة البرد..
- يمكنك أخذ غطائي الاحتياطي.. لا حاجة لي به..
- لا، لا عليك..
- أنت ترتجف.. آه.. أنت تبكي.. ما الأمر؟!
ّ يعتدل سمير جالسا وهو يمسح خده المبتل بكمه. رفيق زنزانة جديد هو. تجاوز
ربيعه الثامن عشر بشهور فقط. قال لخالد أنهم ضبطوه، ومن كان معه، يحاول
ّ الهجرة سرا في قارب مطاطي.. تمكنوا منهم قبل حتى أن يزأر محرك القارب.
حكي له كيف أنه دفع  ّ 10آلاف درهم لسمسار كي يمكنه من «الحريك» نحو
إسبانيا، لكن حظه العاثر جعل خبر عمليتهم يصل بشكل ما لحرس الحدود
ّ الذين وجدوهم يبتسمون في وجوههم بمجرد صعودهم إلى القارب.
آثار الحياة الطيبة بل والمرفهة نوعا ما واضحة على وجهه. علم خالد منه أنه
لم يكن في حاجة حقيقية إلى «الحريك،» فهو لازال يعيش مع والديه وأمامه
ّ المستقبل بكامله كي يشتغل أو حتى يبحث عن طرق أخرى للهجرة الشرعية.
لكن سمير لم يكن يطيق الانتظار. يقول لخالد:
- أنت لا تفهم. أنا لم أفكر يوما في هذا.. لكن ما العمل أمام مجتمع لا يرحم
مثل هذا؟! يعود أصدقاؤك وأفراد عائلتك بسيارات فارهة من أوروبا، ويجدونك
لازلت تحسب القطع النقدية في يدك لتتمكن من دفع ثمن قهوتك، بينما هم
ّ يمتلكون الكريديت كارد ويحولون الأورو إلى العملة المحلية فتصبح الحفنة رُزما!
لقد أصبحوا رجالا بينما أنت لازلت تعيش في كنف والديك كطفل. يعودون
وقد نجحوا بينما أنت لازلت تحمل ذات النظرة المنكسرة المنهزمة الباحثة
ّ عن أمل ما.. يوما ما.. أي قساوة تحملها نظرة إعجاب والديك برفاق دربك.. أي
ُ مذلة تشعرها وهما ينظران إليك بحنان مشوب بقلق متسائل: متى تصبح
مثلهم؟!
ّ - هكذا قررت أن الحل هو الحريك؟
- نعم.. كان هو أقرب الطرق وأسهلها..
69
- طريق يحمل الموت في منعرجاته..
- لم أفكر في هذا وقتها.. اعتقدته حلا ّ..
- أنت تجني الآن ثمار تهورك للأسف..

على بعد مليمتر واحد فقط 10

0

الجميع يتحدث عن هدوء يسبق العاصفة.. لا أحد يتحدث عن الهدوء الذي
يليها..
في زنزانته بالسجن يجلس خالد.. وحيدا.. صامتا.. رفيقاه في الزنزانة نائمان،
ّ أو هكذا يبدوان. يفكر خالد في الأحداث العاصفية التي مرت به. بالكاد يصدق
ّ أنه قد مرت أسابيع معدودة فقط على بداية كل شيء..
يستمتع بوحدته تلك في السجن رغم عذابه الداخلي.. بوحدته وبصمت ليل
السجن..
يتنهد وهو يتذكر أن الأمر بدأ فعلا بتراجع سبابته على بعد ملمتر واحد فقط
عن زر الفأرة.
يتساءل: ماذا لو كان مسح هدى فعلا من قائمة أصدقائه على فيسبوك؟ أي
حياة أخرى كان سيعيش؟ المهم أنه ما كان ليكون الآن نائما قرب قاتل وقاطع
طريق على الأقل!
ّ ومن يدري؟ لعل النتائج كانت ستكون واحدة في كل الأحوال، وبطرق وأحداث
أخرى.. ومن ذا يستطيع الفرار من قدره؟
ّ هدى.. أين هي الآن؟! منذ أوصلته أول يوم إلى الملتقى لم يظهر لها أي أثر.
أعطى رقمها للمهدي وطلب منه الاتصال بها للاطمئنان عليها وطمأنتها،
فوجد – ولازال – هاتفها مقفلا.
ٌ فيسبوكها أيضا، حسب المهدي، أرض مقفرة.. لا تكتب أي جدارية، ولا تدخل
للدردشة..
الغضب والحيرة والقلق.. تمتزج المشاعر في صدر خالد ويضطرب فؤاده..
ّ هل كتب على علاقتنا يا هدى أن تكون هكذا كلها؟ لقاءات قصيرة متبوعة
بغيابات طويلة مجهولة السبب؟
في كل الأحوال هي علاقة وئدت في مهدها بدخوله السجن، لكنه على الأقل
يريد أن يعرف أنها بخير.. ولتكمل حياتها بدونه بعد ذلك إن شاءت.. ومن الأفضل

على بعد مليمتر واحد فقط 9

0

(رسالة من خالد إلى معاذ)
عزيزي معاذ،
أشكرك كثيرا على رسالتك. فاجأتـْـني تماما وأنا في وحدتي هنا في سجن
«سات فيلاج» بطنجة في انتظار المحاكمة.
أوْصلها لي أحد الحراس وهي في حالة يرثى لها. يبدو أنهم لم يقرؤوها فقط،
بل كانوا يفتشون بين حروفها عن شيء يستعمل ضدي كي يرسلوني إلى
غوانتانامو ر ّ بما..
لقد أعادتني رسالتك سنوات طوال إلى الوراء عندما كانت الرسائل الورقية
ّ تحمل لنا شوق المغتربين وجديدهم الذي يكون قد مر عليه شهر أو أكثر.. لكن
ّ شهرا بالنسبة لذلك الزمن المتباطئ كان يعد «زمنا قصيرا..» تلك المظاريف
ّ بأطرافها المزينة بالأزرق والأحمر والمكتوب عليها «باغ آفيون،» أي «بالطائرة..»
تذكرها عزيزي معاذ؟
ٌ الآن، شهر واحد فقط كاف جدا لتكسب ألف صديق وتمسح خمسمائة آخرين
من صفحة فيسبوكك، وتتسلم عشرات الرسائل الجامدة التي تحمل مشاعر
ّ مكتوبة لا يصلك منها أي ٌ شيء إلا فيما ندر..
تسألني عن أحوالي عزيزي معاذ.. ماذا أقول لك؟
ٌ سؤال بسيط سهل ّ من كلمتين، وإجابته طويلة مركبة عميقة..
كيف يكون يا ترى حال شخص تم ترحيله من بلد أجنبي سافر إليها من أجل
لقاء أدبي، نحو بلده الأصلي بعد خمسة أيام بتهمة التهريب والمشاركة في
سرقة لوحة فنية وجدوها مدسوسة في حقيبته؟!
قد يكون صدمة أو خبرا حزينا بالنسبة لشخص قام بتلك الفعلة لكنهم
ٍ كشفوا أمره.. لكن كيف يكون حال شخص لاه غافل لا يعلم أي شيء عن
الموضوع؟!
الطريف والمحزن في آن واحد أنهم يتهمونني بسرقة لوحة فنية من إرث طنجة
التاريخي..

على بعد مليمتر واحد فقط 6

0

عملية ضخ الأموال في الحساب البنكي كانت صعبة ومرهقة. كان مضطرا
للاستدانة من كل من يعرفهم. بعضهم رفض بأدب. بعضهم بوقاحة. في
الأخير وجد أن الذين وافقوا هم نفس الأشخاص الذين يلجأ إليهم كلما واجهته
صعوبات مادية، وكثيرا ما يحدث هذا. أصدقاؤه وبعض الذين يثقون فيه يعرفون
أنه ولا بد رادّ الديون إليهم. فقط هي مسألة وقت.. مسألة ظروف.. هؤلاء يزيحون
كل الغشاوة.. كل الأغلفة.. فيروْن معدنه الأصيل لا زال يبرق هناك.
ّ الغريب أن جل من وقف إلى جانبهم يوما تنكروا له. الحقيقة أن هذا ليس
ُ غريبا.. بل هذا بالضبط ما كان يتوقعه. من قال أن الناس طبعهم الوفاء؟! لا
يسعى إلى
ٍ
ّ يخشى شيئا في كل هذه الأحداث سوى أن تحوله هو الآخر من بشر
ّ حيوان يدب.
إن استمر الحال هكذا سيكون مضطرا للتحول إلى وحش هو الآخر مثل
الكثيرين. لكنه عندما يهدأ يتراجع. لو نجحت ظروف الحياة في تغييره فهذا
سيجعل كل مبادئه مجرد فقاعات هواء كان يختبئ خلفها ويحتمي بها. المبادئ
لا تتزحزح بمجرد ظروف عابرة. هكذا فكر.
أخيرا استطاع أن يجمع رصيدا لا بأس به.
لم يكن يتصور أن الحصول على تأشيرة سيتم بتلك السهولة لكنه حدث.
أحيانا تكون كل الصعوبة في الفعل ذاته. بينما النتائج – على العكس - تكون
سهلة ميسرة لدرجة أنها تفاجئنا نحن الذين كنا نرتعش من احتمال الفشل.
اتصلوا به من القنصلية طالبين منه أن يكون هناك في حدود الواحدة زوالا.
وجد مجموعة من الأشخاص ينتظرون حكم الإعدام أو البراءة. تتم المناداة على
الأسماء...
أنت... ستغادر السجن..
أنت.. ستبقى في ضيافتنا قليلا...
هكذا بالضبط بدا له الأمر. بل إن ردود فعل المرشحين للحصول على التأشيرة
كانت توحي له أن الأمر أكبر من ذلك أحيانا. بعضهم ينهار تماما وترى تلك النظرة
المرعبة المرتعبة في عينيه والتي تقول: انتحاري مسألة وقت!